حين نشر هرمه الشهير الذي يعرف باسم مدرج ماسلو للحاجات، لم يكن يدرك عالم النفس ابراهام ماسلو مدى الأثر الكبير المباشر وغير المباشر لنظريته فقد كان لا ينظر للحياة بوصفها حياة مستقلة بل بأنها حياة للإنسان وكل من فيها يدور في فلكه وله. حتى أولئك الفلاسفة وعلماء النفس العظماء الذين سبقوا ماسلو أمثال وليام جيمس -الأب الروحي للبراغماتية- لم تزده هذه النظرة إلا تكرسياً للنظر للحياة بأنها في خدمة الإنسان.
الإنسان في المجمل، كائن قلق، فأكبر هواجسه منذ وعيه بعد ولاته هي الموت والفقر، فهو يرى في الموت انعدام ذاته وفي الفقر اضمحلاله المؤدي إلى موته. وعلى هذا تشكّلت نفسيته الأولى وصولاً إلى يومنا هذا. وبالرغم من أن إنسان اليوم لا يخشى الموت بنفس التكرار الذي خشاه أسلافه، إلا أن خشيته هي أشد حدّة فهو يرى في الظلم موتاً له وفي تسفيه رأيه موتاً له وطرده من وظيفته موتاً له.
الإنسان اليوم هو مخلوق مختلف عن الإنسان في العصر الزراعي والصناعي الأول، وأكثر تعقيداً من الناحية النفسية. لذلك بدأ الجهد النفسي والتأثر يأخذ شكله في أسلوب حياتنا المعاصرة.
في عصر الإنسان الصياد، كان الإنسان يطارد فرائسه ويتقنّصها يومياً من أجل ضمان البقاء على قيد الحياة، فكان متوسط الأمل النفسي لبقاء ذاته هو 3 أيام وهي الفترة التي يستطيع الإنسان فيها البقاء على قيد الحياة بدون ماء. أما في عصر الإنسان الزراعي فقد دجّن الإنسان الحيوان واستزرع الأرض، فأصبحت الفترة الزمنية لأمله النفسي (أي بقاءه حيّاً) موسمية مرتبطة بالحصاد ونمو النباتات وتغذية الحيوانات. ثم جاء عصر الإنسان الصناعي الذي أصبحت فترة بقاءه مرتبطة ببقاء الصناعة أو الدولة التي تدير هذه الصناعة. بمعنى أن الإنسان الصناعي الذي يعيش في كنف حكومة أو دولة قد امتد عنده زمان الأمل النفسي وأصبح عقوداً ولكن حدّة التطلبات النفسية والخوف من الموت والفقر ازدادت بزيادة حدّة المنافسة البشرية-البشرية والبشرية-مع الكائنات الأخرى.
وقد دفعنا هذا نحن المعاصرون البشريون، إلى مشكلات أكثر تعقيداً في جوانبها النفسية. أصبحنا أشد تشبّثاً ببهجة الحياة عوضاّ عن البقاء أحياءً فتغيّرت مفاهيم الاحتياجات الأساسية النفسية لتشمل أشياء لم تكن أساسية قبل عصر الإنسان الصناعي. لم يعد يؤرقنا الأكل والشرب والبقاء أحياء في ظل حكومة قوية وأمينة توزّع علينا هي أو نظامها الاقتصادي الأموال بشكل شهري منتظم. وعلى العكس من ذلك أصبحنا أكثر قلقاً وأكثر توتراً ليس خوفاً من خسران القليل ولكن خوفاً من فوات الكثير ورغبة من زيادة المال والحصول على الثروة وتأمين مستقبل أبناءنا. وكأن شيئاً سيئاً سيحدث قريباً.
نعيش اليوم سبعين أو ثمانين سنة مليئة بالقلق والتوتّر نبحث فيها عن احتياجاتنا الأساسية ثم الحب ثم الانتماء ثم نبحث عن الاعتزاز بمنجزاتنا لنصل لمرحلة تحقيق الذات. لكن هذا كان نموذج ماسلو في الأربعينات من القرن الماضي. أما اليوم فقد أنحرف هذا النموذج بسبب القلق المستمر وعدم الاكتفاء من السعي وراء المتطلبات الجديدة وتداخلت الكثير من الاحتياجات النفسية في عصر تبدّلت فيه الأولويات وقلّ فيه إتاحة الفرص وازدات فيه حدّة التنافس رغم وفرة الأرض وتزايد خيراتها. فهل سيدخلنا العصر الرقمي عصراً نفسياً أكثر حدّة وأشد تطلباً كما أدخلناه عصر الآلة والإنتاج الضخم. وما هو الأسلوب المناسب للعيش في هذا الزمان والزمن القادم؟.
أترك لكم فكرة ماسلو للتأملوها .. وهل بالفعل ستتراجع الاحتياجات مع تقدمنا في السن أم أن العصر الرقمي الذي ابتدأ سيكون له رأي آخر في تركيبتنا النفسية الفريدة؟

